الاحتفال بالفكرة وعمق السؤال يحاصران الأفلام السينمائية بالعالم

مكناس سيتي
47 مشاهدة
أخر تحديث : السبت 16 ديسمبر 2017 - 7:44 مساءً
الاحتفال بالفكرة وعمق السؤال يحاصران الأفلام السينمائية بالعالم

“الذي يقود العالم ليس آلات، ولكن الأفكار” فيكتور هيوغو

هل بالفعل: “لا يوجد شيء أكثر خطورة من فكرة عندما تكون وحيدة فقط “، كما يصر بعض الفلاسفة؟

تطرح السينما، كباقي الفنون، مجموعة من الإشكالات من قبيل: هل السينما هي مجرد فكرة عابرة أم مجموعة أفكار، أم هي تعبير عن قيم ومبادئ مطروحة على شكل أفكار متتالية؟

المنجز الفيلمي لأي عمل سينمائي هو فكرة بسيطة يشتغل عليها المخرج/ السيناريست وفق قوالب فنية يبتغي من خلالها معالجة قضية معينة أو إيصال رسالة ذات مدلولات مشفرة أو بطريقة مباشرة. بهذا المعنى، فالفيلم “هو شيء حي”، حسب الناقد والمخرج الفرنسي فرنسوا تريفو. مضيفا: “لا أحب المناظر ولا الأشياء.. أحب الناس. ما يهمني هي الأفكار والأحاسيس”.

إن وجود “الفكرة هو شكل من أشكال الاحتفال… وهي نوع من الاحتمالات” حسب جيل دولوز. والفكرة في السينما ليس فقط فكرة عابرة؛ ولكنها فكرة مركبة يحضر فيها الجانب الأدبي والرؤية الفنية وطريقة المعالجة، وتتوالد بشكل يجد المتلقي نفسه أمام تشعب وتعقد للفكرة الأولى.

الفكرة بهذا المنظور البسيط تتحول، حسب سبينوزا، إلى فكرة خالصة ومميزة… فكرة واضحة المعالم تجد منطوقها في داخلها وتعبر عن نفسها بنفسها دون أن تكون مستنسخة أو محملة بأفكار أخرى. ينطلق المخرج السينمائي في عمله السينمائي من فكرة تعبر عن مضمون يراه مناسبا لبداية حكايته.

الفكرة تتوخى الوضوح التام والتميز حتى تتولد عنها أفكار محايثة في بساط الحكي الفيلمي عبر سيناريو متقن ورؤية إخراجية تترجم مضمون الورق في لقطات ومشاهد مشتغل عليها بنوع من الذكاء والتمرس وليس فقط نقلا تصويريا لماهية الأشياء. الرؤية أعمق بطرق تصوير تلامس جوانب متعددة منها المضمر والمستتر والمرئي بشكل مباشر.

الفكرة في السينما تحمل معنى، والفكرة مقابل الفكرة، والفكرة تعكس فكرة مختلفة أو متناقضة، فكرة دائرية أو بفكرة بأياد وأرجل تتحرك وهي حية تدافع عن كينونتها وتصارع في سبيل أن تتجسد على الواقع أو هي تعبير عن حالات من الوجود المتناهي للأشياء.

فكرة الموت والحياة في السينما فكرتان متصارعتان تترجمان فكرة الخير والشر… السينما تنطلق من فكرة مصارعة الشر للخير أو انتصار الخير للشر.. تمنح لهذه الأفكار روحا قائمة داخل الفيلم ومعنى لوجودها وسيرورتها برؤية جمالية تدوم بعد انقضاء الفيلم…

تسري عبر فكرة النقد السينمائي الذي يبحث في كنه وعمق الأشياء برؤية ملاحقة الزمن والغوص في تفاصيل الأشياء.

فكرة الموت تسيطر على أعمال المخرجين من خلال أفلام شهيرة تبحث في وجود فكرة الخلود… لِمَ نسمي أفلام أكيرا كيروساوا والمخرج أورسن ويلز وأفلام يوسف شاهين وفرانسيس فورد كوبولا بأنها أفلام خالدة؟ أتستقي هذه الأفلام فكرة خلودها من وجودها الإستتيقي والجمالي؟ أم من خلال تعبيراتها في رسم وجودها الفني وما أسهمت به كأفلام في التعبير عن حالات إنسانية؟

في أفلام كوبولا نرى شخصياته وأبطال أفلامه يصارعون الحياة لتحقيق ذواتهم في معارضة للسلطة وفي تحد لها… فكرة التحدي تبدو جلية كما هو الحال في فيلم ” الساموراي السبعة” لأكيرا كيروساوا وهو يسافر بحثا عن فكرة الإنسان في داخله. فـ “الفيلم هو (أو ينبغي أن يكون) مثل الموسيقى، ويجب أن يكون تطورا للمزاج والمشاعر. ويأتي الموضوع، المشاعر، المعنى، بعد ذلك “، حسب المخرج ستانللي كوبريك.

يلجأ المخرجون في كثير من التجارب إلى قولبة الفكرة في معان متعددة تستقي مضمونها بالانتقال إلى حيوات أخرى من خلال استنساخها من تجارب الآخرين بعمق فلسفي ووجودي يضفي هالة عليها ويضعها بمناعتها وقدرتها على الحياة… في الفيلم الإيطالي “لاستردادا” لفلليني تبدو فكرة السفر وجودا في حد ذاته وحده البحر يوقف من زحف بطل الفيلم وهو من يسائله عن جدوى أعماله وهو يدخل الفرحة في قلوب الآخرين بينما يحمل حزنا دفينا في دواخله.

ترتبط الفكرة بالسؤال في السينما في بعدهما الفلسفي أيهما الأجدر… السؤال وهو يستعرض خصوصيات الفكرة أم الفكرة وهي تعبر عن مضامين واقعة أو حدث معين؟ … ما المعنى أن نتساءل عن جدوى الفكرة، إذ رسخت فعلا سينمائيا معينا يقتفي زمنا فيلميا ويختصر رؤية قادرة على نحث الذات بسؤال نقدي؟

وحدها السينما قادرة على استيعاب مضامين الفكرة وتناقضاتها… وحدها السينما بحيلها وخدعها ترخي بظلالها أفلاما من خلال تجنيس أنواعها الفيلمية بين الدراما والكوميديا والتراجيديا والمأساة… وحدها الفكرة تدفع بالسينما أن تخصص لها حيزا زمنيا ومكانيا يمنحها لذة جمالية وبرؤية في داخلها من خلال تصادمها مع مجموعة من أفكار ترسم طريقها…

في الفيلم المغربي “ضربة في الرأس” للمخرج هشام العسري فكرة العطب حاضرة في الفيلم من بداية الفيلم حتى نهايته… عطب الشرطي المصاب بضربة في الرأس.. عطب القنطرة التي لم تكتمل أشغالها…

عطب الدولة التي تعول كثيرا على فكرة القبيلتين المتناحرتين وعطب الحي الهامشي الموبوء وعطب الطالب المعتقل وعطب المرأة غير القادرة على التعبير على أنوثتها وعطب سيارة الإسعاف التي ترمز للنظام وهي غير قادرة على عدم التحرك…. فكرة الأعطاب القاتلة التي تلخص فكرة الموت البطيء لكل مناحي الحياة أمام التباهي بجدوى الاحتفال.

الانطلاق من الفكرة إلى السؤال في السينما أو من المشهد السؤال المعبر عن ذات أو ذوات نحو الفكرة يقود إلى الفيلم الجيد.. فحسب فرنسوا تريفو “الفيلم الجيد هو انسجام الصوت مع أداء الممثلين مع فكرة واضحة مع ما يقع”. الفيلم الذي يسائل عن ماهية الأشياء برؤية عميقة.. وهذا يقودنا إلى السينما المتسائلة التي تبحث في نسيج الأفكار بلغة جمالية ومن خلال صور تعكس صورها كقيمة للحياة وقيمة الإنسان في البحث عن الجميل والمؤنس وطرد شبح الأوهام.

في الفيلم الوثائقي “هوليود في خدمة الحرب” يعكس الفيلم فكرة الحرب في بعدها الإيديولوجي ويعكس فكرة أخطر تتمثل في الوعي بفكرة استغلال الصور والإيمان بالانتصار والاشتغال عليه كمضمون فيلمي من خلال إرسال المعدات والمخرجين والممثلين لمؤانسة الجنود والرفع من معنوياتهم.

الوعي بالفكرة المراد تصويرها يعكس رؤية هوليود عن تشبعها بغنى الصورة وضرورتها وما تقدمه للسياسي خدمة للأجندة السياسية ودهاليز السياسة. الفكرة بهذا المعنى أنها مشتغل عليها ومفكر فيها بشكل جيد وتعكس حسا بها وبجدواها ومدى خطورتها… داخل هذا الشريط ضرب أكثر من عصفورين..

هزم النازية وبشاعات المحارق والجثث والرماد الملقى في الحقول من لدن الألمان ورماد الإنسان وقد استهلكته الإيديولوجيا وفكرة الانتصار والدفاع عن قيم الحياة من لدن الحلفاء وفكرة نشوة الصور وهي تحتفل بالدخول إلى العاصمة برلين وعودة المخرجين والمصورين والجنود… إلى أمريكا عبر الاحتفاء بقدومهم ونهاية الحرب.

فيلم غني بالدلالات وبالرؤى وبالأفكار التي ترسم جدار هوليود باقتناعها بأهمية الصورة كمولدة للفكرة وكفكرة قادرة على الحياة.

الفكرة في السينما هي مدارس سينمائية متعددة حسب منطلقاتها: السوريالية والعبثية والواقعية والتكعيبية والواقعية الجديدة والرومانسية… والفكرة هي حساسيات جمالية… حساسية ملامسة الذات والواقع في ذات الوقت.. وحساسية العين وهي تنظر للجمال من خلال تشكله والغوص فيه. والفكرة أيضا عتبات قادرة على تخطي المقدس بمنظور نقدي وبمنظور تجاوز العتبات الأولى والعتبات المؤسسة.

فكرة البداية وفكرة النهاية هما فكرتان تستحوذان على اشتغال المخرج.. كيف يبتدئ مع فكرة مجنونة كفكرة الانتحار وكيف ينتهي مع فكرة الحياة… في السينما كل التأويلات ممكنة وكل حالات التأهب لتقصي الفكرة والسيطرة عليها تغالبها التقنية وفكرة التجريب التي يشتغل عليها المخرجون والتقنيون والصدفة في خلق عوالم عجائبية وغرائبية كما هو الحال في أفلام “هاري بوتر” والأفلام الغرائبية المسافرة في عمق التاريخ والوجود.

حسب هيتشكوك، فـ”السينما هي أربعمائة مقعد يجب ملؤها”. سؤال البداية والنهاية في السينما يحيلنا إلى أزمنة السينما وتمرحلاتها وأفقها بين الممكن والمستحيل بين الثابت والمتحول بين الإيديولوجي والجمالي وبين سيطرة التقنية وغلبة السرد والحكي وبين قوة الحوار وجمالية الصورة في أبعادها المختلفة… السؤال يحيل حتما إلى قوة السينما في خلقها لهذه العوالم وفي القبض على جوهر فكرة الشر كفكرة أبدية مرادفة لفكرة الخير والحياة والإنسان.

فكرة السينمات والتجارب السينمائية لماذا ننجذب إلى السينما المستقلة الأمريكية ونبحث عن أسماء مخرجيها وأفلامها أو سينما الاتحاد السوفياتي سابقا ببطولاتها الجماعية أو نبحث الآن عن السينما الكورية أو الفيتنامية أو اليابانية أو عن حساسيات سينما أمريكا اللاتينية… فقط ما يسيطر علينا هو قدرة السينما على عكس حيوات متعددة بأبعاد تنويرية وقصص إنسانية تغالب الدين والتدين وفكرة الاستحواذ وفكرة الهيمنة والغطرسة وقولبة الأشياء في قوالب ضيقة أمام رحابة السينما وأفقها البهي في عكس منظور إنساني للسينما. في هذه السينما الفكرة المسيطرة فكرة الإنسان المصارع للشر والنازع نحو الخير. في الفيلم الياباني “الدمية” ينحو البطل بعد أن تحولت الدمية إلى إنسان، وهذا كان رجاؤه ومنيته الكبرى؛ ولكن فكرة تحولها إلى إنسان يعكس سخرية البطل أنه يرغب في الدمية أكثر في الإنسان… عبثية بفكرة موجهة أننا لا نستطيع السيطرة على أحلامنا ما دام الإنسان إنسانا وأن فكرة تحول الفكرة ممكنة مادام الإنسان ينزع نحو الإنسان.

فـ”النبيذ الجيد هو مثل الفيلم الجيد: يدوم لحظة ويترك في فمك طعم الانتصار، هو جديد في كل رشفة، وكما هو الحال مع الأفلام، ولدت وتولد من جديد مع كل الأذواق” فدريكو فلليني.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مكناس سيتي :: الجريدة الرسمية لمدينة مكناس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.