متحف بين الحداثة وما بعدها

مكناس سيتي
1٬356 مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 14 أغسطس 2016 - 9:31 صباحًا
متحف بين الحداثة وما بعدها

مكناس سيتي محمد خصيف

تصفحت إحدى الجرائد الالكترونية وقرأت مقالا عن متحف مدينة الرباط، ومما أثار انتباهي التسمية التي أعطيت له حيث شملت الفنين الحديث والمعاصر في آن واحد، وكأن الفن التشكيلي هو في نفس الوقت حديثا ومعاصرا. ومن تم نتساءل إذا كان من الممكن ان نجد عملا فنيا يحمل خصوصيات حداثية و له مميزات جمالية معاصرة؟ هذا ممكن في حالة ما إذا اعتبرنا ذلك العمل يرتبط تاريخيا بأحد تيارات الفن الحديث الغربية وفي نفس الآن تم إنجازه من طرف فنان مازال حيا معاصرا لنا، ومع ذلك، يبقى العمل حديثا لأن مكوناته التقنية والمضامينية تنتمي أصلا إلى الفن الحديث. وهذا في الحقيقة ليس تصنيفا جيدا ويخالف القواعد التي وضعها مؤرخو ونقاد الفنون بالغرب، وأركز على الغرب لأنه يعتبر البئر التي نورد منها جميعا إبلنا

الفن الحديث لا يمكن أبدا أن يكون في نفس الوقت فنا معاصرا، لأن كلا منهما له نظامه الخاص به الذي تحدده اعتبارات زمانية ومكانية، كما لكل منهما فلسفته الجمالية ومرجعياته التاريخية. فليس من المعقول أن نخلط بينهما. حقا أننا نجدهما يتعايشان في الزمان والمكان، لكن الخلط بينهما تحت تسمية موحدة لايجوز. وأتساءل كيف غابت هذه الفكرة عن القيمين على متحف الرباط؟

مررت يوما أمام المتحف بالرباط، وكان مستقبلا آنذاك أعمال النحات الفرنسي (سيزار). وكانت الواجهة تؤثثها منحوتة الأصبع. وهي منحوتة تحمل دلالات كثيرة ويمكن للمشاهد العادي أن يؤولها تأويلات مختلفة ومتنوعة..، لاجدوى من طرحها الآن. إما أتساءل: ما الفائدة من عرض أعمال سيزار بالمتحف؟ ومن من جمهور سكان الرباط من يعرف سيزار؟ وهل قامت إدارة المتحف بتغطية إعلامية للتعريف بهذا النحات، وبالتيار الفني الذي ينتمي اليه؟ هل أتيحت لتلاميذ المدارس مثلا، الفرصة لزيارة هذا المعرض؟ ومنذ أن نظم المعرض كم هو العدد الحقيقي للزوار الذين ارتادوا أروقة المتحف؟ لا شك أن المسألة تحتاج إلى دراسة ميدانية لنتعرف على حقيقة وواقع زوار المعرض ومن تم سنكتشف إذا كان المتحف يؤدي دوره التربوي والتثقيفي أم لا

يبدو أن الأمر يختلف عما نتصوره إذ هناك من يشير ل “برمجة غير منتظمة تماما، وليس هناك أي مشروع علمي وثقافي”، سلمى لحلو المندوبة السابقة للمؤسسة الوطنية للمتاحف. “(les débuts ratés du musée d’art contemporain de Rabat – Le Monde, 19/6/2015)

إننا بحاجة إلى متحف مفتوح في وجه الجمهور المغربي، يكون فيه الدخول بدون مقابل، على الأقل في سنواته الأولى حتى يتعرف عليه الجميع، فيذيع صيته داخل المغرب وخارجه، أما المتحف المتاح بالمقابل فهي فكرة مستوردة كما هي فكرة المتحف نفسها، (للإشارة حددت أثمان الدخول في 40 درهما بالنسبة للبالغين، و30 درهما بالنسبة للذين هم أقل من 18 سنة). أي منطق هذا؟ وهل سيشجع أي كان على زيارة متحف الفنون؟ هل بإمكان طالب يافع، لا يتجاوز سنه 18 عاما، أن يتفضل إلى شباك المتحف ويأخذ تذكرته. إن مثل هذه الأثمنة لم تراع مستوى الدخل الفردي المغربي، ومن وضعها يجهل تماما حقيقة الثقافة في بلادنا. فالباحث عن التثقيف يحاول تحصيله بأقل كلفة وكلما ارتفع الثمن كلما فر وابتعد، وخير مثال على ما أقول معاناة الكتاب والكتاب والناشرين وقس عليهم دور السنيما. ولا شك أن الفن، جانب الثقافة الفقير، كما يعرف، سيزداد معاناة والحالة هذه، وأخشى أن يصبح مصير متحفنا كمصير القاعات الوطنية التي أضحت بلا رواد يعمرون أركانها، وقاعة باب الرواح القريبة منها تعطي أحسن مثال

في الغرب حينما يقام معرض لفنان مشهور تجد طابورا طويلا من الزوار المحليين والاجانب ينتظرون دورهم ليتمتعوا بمشاهدة الأعمال المعروضة. أما متحفنا فأبوابه الزجاجية تخلق حاجزا أمام المارة، والمار من جانبه لايظنه متحفا، لأن هيئته المعمارية توحي بأنه إدارة ملحقة بالأوقاف أو بالبريد الذي بجانبه أو بقبة البرلمان

وكثير من الناس يقيلون بالحدائق المجاورة وبالمقاهي القريبة ولا يتقدمون خطوة واحدة نحو أبواب المتحف الزجاجية وليست لهم أي فكرة عن المتحف أصلا. فالشكل المعماري لا يوحي بأنك أمام متحف للفنون الحديثة والمعاصرة كما يسمونه. لقد فشل المهندس في بناء متحف… وربما تنازل عن أفكاره الإبداعية في فن المعمار، وخضع لتصورات وطلبات صاحب المشروع. قيل له نحن نريد عمارة متحفية منسجمة مع المحيط والبيئة وأن تكون مغربية. وهذه هي أساس الإشكالية: عمارة ذات طابع مغربي وحديث ومعاصر، فنبقى دائما مثل ذاك الذي يؤثت منزله بصالونين، صالون مغربي وبجانبه صالون أوربي، فنمسي ضحية اغتراب ثقافي وحضاري

نعم كنا وما زلنا ضحية لاغتراب فكري وثقافي!

إن البناية ستكون ملائمة أكثر لعرض تحف الفنون الشعبية والتقليدية أكثر منها بناية لعرض الفنين الحديث والمعاصر. وحبذا لو انتقلت إليها الأشياء التي تؤثث متحف الأوداية. تقول ياسمينة ناجي مديرة مركز الفن Kult بالرباط: ” كنا ننتظر بحثا علميا جادا والواقع أنه (أي المتحف) لم يحقق انتظارات المغرب المستقبلية”، والانتظارات كبيرة كما يذكر بذلك الفنان يونس رحمون الذي يحلم بمتحف مغربي للمغاربة مع انفتاح عما يجري في أماكن أخرى من العالم، والاستفادة من خبرات المتاحف العالمية”، لكن المسؤول عن إدارة المتاحف بالمغرب يجيب ببساطة: ” نحن نحاول معرفة ما معنى متحف “

الجميل في هذا كله أن القيمون على تسيير المتحف، وحتى يبينوا للمارة أنه متحف وليس شيئا آخر، قاموا بتعليق نسخ مصورة لأعمال فنانين تشكيلين مغاربة منهم الشعيبية والقاسمي، لكن الأقواس كانت لهم بالمرصاد وحجبت الصور عن المشاهد. إنها عملية نسخ جد معبرة لأعمال تشكيلية. معبرة عن هويتنا وفكرنا وثقافتنا وفننا. الكل منسوخ… فننا التشكيلي ما هو في الحقيقة إلا نسخة لفن الآخر. ومن يقول عكس ذلك فليأت بالحجة والبرهان. نقدنا التشكيلي (يتلخبط) بين المقاربات النقدية التي بنى أسسها الآخر. عمارتنا ينقصها الإبداع والجديد والجدة، وهاهو مهندس المتحف لم يفلح في بناء متحف يتلاءم مع الفنين الحديث والمعاصر، فعاد بنا إلى الماضي، إلى العمارة الاسبانو موريسكية ليقتبس منها تحفته! ينقصنا الإبداع! تنقصنا الشخصية في الإبداع! ويذهب الجري وراء كسب المال بكل إبداع!

كان من المفروض مثلا أن يكون متحف الفنين الحديث والمعاصر في هيئته المعمارية شبيها بالمسرح الجديد التي خططت لمشروعه الفنانة والمعمارية زها حديد (رحمها الله)، خصوصا وأننا نتشدق بالحداثة ومابعد الحداثة في الفنون التشكيلية أكثر من غيرها من الأجناس الثقافية الأخرى. فالمسرحي لايدعي أنه يشتغل على حداثة في المسرح بينما الفنان التشكيلي حينما تتكلم معه يجيبك : Je suis un artiste post moderne، وهو لايدري أصلا عما يتكلم. لو اتخذ المتحف شكلا غير الذي هو عليه اليوم لكان المغرب متوفرا على متحف معاصر ينتمي إلى الألفية الثالثة ويعكس التطورات التنموية التي تشهدها البلاد على عهد الملك محمد السادس

لكن مع الأسف هذه حداثتنا …

“إن الحداثة العربية في التشكيل نهجت نهجا معاكسا لما سارت عليه الحداثة الغربية، ففي الوقت الذي قطعت الحداثة الغربية جميع أواصر المحبة مع الماضي ومع الموروث الحضاري الاغريقي الروماني، ذلك الموروث الذي كرست فلسفته الجمالية عصور النهضة الأوروبية.،عملت الحداثة العربية (مع التحفظ على هذه التسمية) على إعادة الاعتبار للماضي والتاريخ” (إياد كنعان)… والتقاليد، معتمدة في بناء شخصيتها على نماذج من التراث العربي الإسلامي والتراث الأمازيغي، (الخط العربي والرموز الشعبية والزخرفة والوشم وغيرها)، محاولة أن تضفي على تلك النماذج طابعا خاصا، تتميز به بين قريناتها، ليجعلها تكون حاضرة في الزمان والمكان، لكنها فشلت في مهمتها ولم يفلح الفن التشكيلي (العربي) أبدا أن يكون عالميا. فمجموعة الحروفية لم يكن لها الحظ في بصيص النور الذي تمتعت به لسنوات معدودة لولا ظهور إنجازات فنانين غربيين أمثال اندري ماسون وبول كلي وغيرهما، والأعمال التجريدية المتداولة في المغرب أو جميع العالم العربي لم تكن لتر النور لولا ظهور مدرسة باريس الفرنسية، التي كانت بئرا يرتوي منه العديد من الفنانين العرب الرواد

إن الحداثة الغربية كان لها جانب إبداعي قوي وأصيل ذلك أنها اتخذت موقفا واضحا من مفهوم الهوية الثقافية والحضارية ” محاولة تحدي الحدود الفاصلة بين الأمم والشعوب، وتحقيق هوية ثقافية عالمية، سعيا وراء إعطاء الفن تعريفا كونيا شاملا، فضمت إليها عقد الاعتراف بفنون الآخر المستعمَر، المختلف والمتخلف، فانفتحت على فنون إفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا” (نفس المصدر)، بينما الحداثة ذات النسخة العربية باتت سجينة الحدود الجغرافية محاولة ربط هويتها القومية الشاملة بالهوية الوطنية، فظهر ما يسمى بالفن المغربي والفن الجزائري والفن التونسي وقس على هذا. لكن ما الفرق؟ ماهي الخصوصيات الجمالية والتشكيلية التي يمكننا أن نفرز بها فنا مغربيا عن فن تونسي وآخر جزائري؟ ما الفرق بين فنان مغربي يشتغل على الخط والزخرفة وآخر من الأندلس، إسباني الجنسية، يشتغل على نفس العناصر الزخرفية، وله الحق في ذلك؟ الكل يتشابه، والكل يقدم لوحات بها خطوط عربية وزخارف ملونة ورموز أمازيغية، جميعها تحت ظل اللوحة ذات الأصل الأوروبي. فهل بالمضامين وحدها سننجح في تعريب الفن التشكيلي ورفعه إلى مستوى العالمية؟!  لا أظن ذلك. ليست المضامين الأساس الذي يبنى عليه الإبداع التشكيلي، إن المضامين وحدها لا تساعد على إنجاح عمل سينمائي أو أدبي، بل هناك أبجدية ولغة خاصتين بكل جنس من الفنون، إن للفن عالما مستقلا خاصا به كما عبر عن ذلك المفكر إروين بنوفسكي، يجب ضبطه والتحكم فيه والعمل على تجديده وتحينه ولو بقلب الموازين واختراق القواعد المعمول بها والمتعارف عليها، وهذا ما حدث بالنسبة للفن الحديث الذي انتهك قواعد الفنون الكلاسيكية، والفن المعاصر الذي مافتيئ يلعب لعبة الاختراق وينتهك المعايير على جميع المستويات. فكلا الفنين لم يهتما بالمضامين وإنما كان همهما إعادة تحيين أبجديات اللغة التشكيلية من لون وشكل ومنظور/فضاء وطرق العرض والتداول والخامات وغيرها

إن الفن المعاصر يعتبر ثورة إبداعية قلبت الموازين وانتهكت القواعد الجمالية المعروفة والمتوارثة منذ زمن بعيد، لتبحث عن مغامرة جمالية أخرى ” محاولة اكتشاف إمكانات غير محدودة للعمل الفني والتجربة الجمالية”، بينما يعمل الفنانون الحداثيون والمعاصرون عندنا على الحفر في تجارب فنية متجاوزة، ليجدوا أنفسهم يمارسون أشكالا فنية تنقصها الجدة والمغامرة وحتى المبادرة، والكثير منها سقط في فخوخ النسخ والتقليد لأشياء سبق أن شوهدت من قبل. وإلا فما قيمة ” العمل الفني المعاصر” الذي يمثل حمارا، للمغربي هشام بن أحد، إن لم يكن صاحبه هذا قد رأى “حمار Urs Fischer ” وحيوانات ” داميان هورست” المحنطة؟ وما معنى حضور “جمجمة” الفنان المغربي منير الفاطمي بجانب “جمجمة” داميان هورست المرصعة؟  ما قيمة أعمال المغربي “لحسن لوي” وتمثيلها للمغرب في معرض ” معهد العالم العربي” بجانب أعمال الفنان الكوري (Yong Ho ji) الذي يشتغل على نفس الخامات (إطارات السيارات المطاطية)، وبنفس التقنيات ونفس المواضيع. فأعماله عبارة عن تجسيد حيوانات مختلفة.!

أين هي الأصالة إذا؟ وكيف أمكن “لكوميسارات” هذه المعارض أن تفوتهم مثل هذه الملاحظات التي كان من الممكن أن يتوصلوا إليها، على الأقل، بواسطة الأنترنيت، ومن تم يحددوا مرجعية كل فنان وأصالة أعماله، وإن كان فعلا يستحق تمثيل المغرب أم لا

يتهم الفن المعاصر بالتهجين والاستهزاء والسخرية، وهاهم الكوراتور المسيرون لمتحفنا يسخرون ويستهزؤون بالمتلقي المغربي. ففي نظري أن المسالة تتعلق بفرضيتين: إما أن القيمون (Curator) على المعارض والمتحف ينقصهم الاطلاع الشامل على الفن المعاصر العالمي، أو أنهم فرضت عليهم أسماء رغما عنهم. فالمعروف أن الكومسير المسؤول عن المتاحف والمعارض الكبرى من المفروض عليه أن يكون على اطلاع كبير بما يجري في الساحة الفنية العالمية: يطالع المجلات المتخصصة، يتابع ما يجري على مستوى المبيعات والمزادات العلنية ويحضر البينالات والمعارض الكبرى ويزور المتاحف العالمية. فالمؤسسة التي كلفته بمنصب مسؤول عن المتاحف أو المعارض التمثيلية، توفر له جميع الإمكانات اللازمة للقيام بمهامه، لأن المسألة مسألة تاريخ وحضارة وثقافة بلد وشعب. وكفانا من الزبونية وقبول ما أملته الظروف، كفانا من النسخ والتقليد الأعمى واغتراب الهوية والحضارة. ولكن يبدو أن الأمور تختلف عندنا وأنهم “يحاولون معرفة ما معنى متحف” فقط. إنهم يتعلون، كما يقول المثل الشعبي “تعلام لحسانة في ريوس ليتامة”

وما يثبت هذا الكلام ما جاء على لسان القيم محمد راشدي (كان من المسؤولين بمتحف الرباط): ” التحقت بالمتحف سنة 2012 ولاحظت على الفور كيف أن المسؤولين عن المشروع بهذه المؤسسة، سواء على مستوى البناء أو على مستوى المحتويات، يفتقرون إلى المعرفة الفنية بشكل عام وبالفن المعاصر على وجه الخصوص، وأقل ما يمكنني قوله إنهم بعيدون كل البعد عن فهم النماذج التي يسوقها هذا الفن والمواقف التي يدعيها والرهانات التي يحركها” (Le Monde)

إن الحداثة الغربية لها ” مشروعية فلسفية، تؤطرها، اكتسبتها من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي عايشتها وتزامنت معها وكانت الحداثة نتيجة حتمية لعصرها” (إياد كنعان)، بينما وجدت الحداثة العربية نفسها في مأزق يتسم بعدم الفهم والرفض وفك أواصر التواصل مع المتلقي، فحينما تسأله يجيبك: أنا ماعندش مع التجريد، لا أفهم فيه شيئا، والفنانون التجريديون ماهم إلا ” مخربقون”

وهذه الحال ستزداد تعقيدا مع عروض ما يسمى بالفن المعاصر. أقول ما يسمى لأن ماي عرض عندنا، كما أشرت آنفا، من أعمال هي نسخ لما رآه أصحابها في أوروبا، فجلهم إن لم أقل كلهم يعيشون بفرنسا أو بلجيكا أو غيرها. وما يعرضونه لايخرج عن الأنواع الأربعة التي عرفها الفن المعاصر مع جيله الأول، (حددت الناقدة وعالمة السوسيولوجيا الفرنسية نتالي هنيك (Nathalie Heinich) جيلين للفن المعاصر، الجيل الأول ظهر مع بداية الخمسينات من القرن العشرين، والجيل الثاني ظهر مع بداية التسعينات). وهذه الأنواع أو الاتجاهات الأربعة هي: الفن المفاهيمي، والأعمال التنصيبية وفن الأداء والأشياء الجاهزة Ready made. إن الفنانين المعاصرين العرب على العموم لايمكنهم أن يخرجوا عن هذه الإطارات الأربع، وخصوصا الأخير منها. فهم يفتقدون إلى الإمكانيات المادية الهائلة التي ستساعدهم على تحقيق مشاريع أكثر جرأة مما نراه حاليا. فمن منهم يمكنه أن يقدم أعمالا من مستوى أعمال الياباني ” موراكامي”، التي تزن الأطنان وتنجز من مواد مكلفة ويسهر على إنجازها فريق تقني متعدد الاختصاصات. وهذه من سمات الفن المعاصر الأساسية، أنه يغيب دور الفنان خلال عمليات الإنجاز فيصبح له دور مصمم أو مخطط للمشروع فقط. وخير مثال على ذلك الفنان الأمريكي ” كريستو” الذي يعمل وزوجه في إطار مقاولة، تنجز أعمالا مؤقتة، تنتمي إلى فن الأرض، وما يباع منها هي الصور والرسومات والشروحات، وهذا ما يتواجد بالمتاحف حاليا

متى إذا سنصل ” بفننا المعاصر” إلى مثل هذا المستوى؟! ومتى سيكون عندنا متحفا يستقبل أعمال الفن المعاصر الحقيقية، التي تخضع لمواصفات هذا الفن، والتي أصبحت تطرح أمام المتاحف إشكاليات تقنية ولوجستيكية عديدة. فحاليا تتواجد أعمال لا يمكن للمتحف بصيغته المعمارية وإمكاناته المادية أن يستضيفها بصفة قارة ورسمية، نظرا لتكلفة صيانتها. فالأعمال المصنوعة من الخامات القابلة للتحول مع الوقت وعوامل الطقس يصعب الاحتفاظ بها وصيانتها وتحيينها. وهذا واقع تعيشه المتاحف العالمية منها متحف بوبور بفرنسا. ومن جهة اخرى، ديمقراطيا، لايمكن للمتحف أن يستغني عن أعمال فنان ذي شهرة ولو كانت مكلفة، إذا نعود لنتساءل ما الفائدة من بناء متحف للفن المعاصر في حين أن هذا الفن من خصوصياته خلق قطيعة مع فكرة المتحف؟ لكن بما أننا لا نتوفر أصلا على فن معاصر فلا بأس من قبول المتحف أيضا

فهل لنا القدرة والإمكانات المادية على القيام بمثل هذه المهام؟ مهام المحافظة والترميم والصيانة وغيرها. نحن نرقع فقط، ويمكن ملاحظة الدلائل على ما أقول من خلال الترميمات التي ننجزها على أسوار المدن العتيقة، كيف ترمم، ومن يسهر على ترميمها وبأي مواد بناء تتم عملية الترميم؟ تظهر الإجابة حينما تقف أمام سور مرمم، ترابه يستمر في السقوط وتخر معه الترقيعات. زوروا مثلا موقع وليلي الأثري لتكتشفوا كيف رممت الأعمدة والأقواس الرومانية، وكيف رمم المرمر والرخام بالأجور

إن المتاحف عادة ما تعيش وتنتعش بواسطة العطاءات والهبات والمنح الدولية والدعم الذي تتلقاه من الشركات الكبرى. لدينا مجمعي التحف الفنية ومنهم من لديه أعمال فنانين عالميين كبار مثل بيكاسو ودالي وماتيس، ولكنهم لن يتخلوا عنها ويلحقوها بالمتحف. فالمسألة تتعلق بالثقة. والمواطن لم تتوفر لديه بعد الثقة في المؤسسات.  بالأمس القريب أيام الوزير بنعيسى اقتنت وزارة الثقافة مايزيد على 400 عمل من فنانين تشكيليين مغاربة. واليوم وبعد تدشين المتحف، لا نرى لتلك الأعمال أثرا حتى في مخازن المتحف. فمن الضروري أن يجرى البحث عن المسار الذي اتخذته تلك المقتنيات، لأنها اشتريت بالمال العام. فهي ملك للدولة، تضعها بالمتاحف أو تزين بها جدران الإدارات أو تفعل بها ما تشاء، إلا شيئا واحدا، أن تصبح في ملكية الأفراد. فمصير تلك الاعمال التشكيلية يستوجب طرحه أمام البرلمان لتنكشف الحقيقة

                                                                  محمد خصيف

                                                                    يونيو 2016

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

متحف بين الحداثة وما بعدها

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مكناس سيتي :: الجريدة الرسمية لمدينة مكناس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.